الحمد لله الذي اصطفانا بوراثة التنزيل ، وجعل حفظنا
له من حفظه إياه من التحريف والتبديل ، وشرفنا بما
حُمِّلناه من أحرف قراءاته ، وعزو طرق رواياته ، وضبط
أداء كلماته ، وعصَمَنا من اللحن جليِّه وخفيِّه في
آياته ، ونصلِّي ونسلِّم على سليل أشرف بقعة ، وكريم
أطهر نبعة ، سيدنا محمدٍ النبي الناطق بالخيرية
المطلقة: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه"
هذا وإنَّ أعظَمَ كلامٍ استنهضنا على وِصَال عقد
حبائله ، والوقوف على مدلولِ دلائله ، لكلامٌ نُزِّل
به الروحُ الأمين ، بلسانٍ عربيٍّ مُبين ، وما كان لنا
أن نستطيع له نقباً ، ولا أن نسطيع له ظهوراً ، ولا
إليه نسباً ، إلا بما أودع في جِبلاَّتِنا من كبد ،
لتسخيره في تحصيل عيون الأدب ، وارتشاف ذلكم الضَّرب ،
باقتياف آثار لحون من سلَف ، واطِّراح تزوير من خلَف ،
إذ فضل ألسن العرب بيِّنٌ لا يُدفع ، ومكشوفٌ لا
يُقنَّع ، فلنزلم شُفافةَ موردهم ، ولنغتذ ثأوة
ملَّتهم ، لنحظى بدَرْك الصواب ، كالفعل لمشابهته
الاسمَ فاز بالإعراب .. وبعد ،،،
فلستُ ممن يستثيرهم قَتَام الإعلام ، ولكن حَفَزني على
القيام في هذا المقام بعضُ من لا تسعُني مخالفتُه ،
فأجبت ، فأُلقيتُ في مُكُلِ الظلام ، فأُحوجت إلى
الكلام ، ولو تُرِكَ القطا ليلاً لنام ، ولكنَّ عزائي
قول ربِّنا: ((وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم)) ،
ثم قال القائل:
رُبَّ أمرٍ أتاك لا تَحْمَدُ الفُعَّـ **
ـالَ فيه وتَحْمَدُ الأفعالا
وقِسِيٍّ رُميـتَ عنهـا فردَّت ** في نحور
الكُماةِ عنك النِّصالا
واعلم - أخي الزائر - أنِّي لستُ ممن يُنكِرُ مُعارضةَ
المُعارضين ، ولا مُناقضةَ المُناقضين ، بل بهما
يَكْمُلُ العمل ، ونَبْلُغُ القصد والأمل ، لأن الحوار
طريق العلماء المعروفة ، وسبيلهم المألوفة
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها ** كفى المرء
نبلاً أن تُعَدَّ معايبُه
وطب نفساً .. فإني سأسلك بك القصد ، لأن القصد من أمر
ربِّنا إذ سبحانه يقول: (واقصد...) ، ونبينا عليه
الصلاة والسلام قال: (والقصد القصد تبلغوا) ، ثم
الشاعر يقول:
أبلغُ ما يُطلبُ النجاحُ به الــ ** ــقـصدُ
وعند التعمق الزلل
فأملي -أخي الزائر- أن نحظى منك بدعوةٍ كريمةٍ ،
ونظرةٍ حميمةٍ ، لأنِّ سأُلقي إليك بجنايَ وخياره فيه
، وكلُّ جانٍ يدُه إلى فيه ..
وأخيراً
فلا خيرَ في مُستعجلاتِ الملاومِ ** ولا
في خليلٍ وصلُه غيرُ دائم