بحمد الله تعالى تم بعد التجديد .. افتتاح الموقع الرسمي لفضيلة المقرئ الشيخ الدكتور عبد الرحيم بن عبد السلام نبولسي

 
                           
          
                                    ) لقاء وحوار (
 

لقاء صحفي لجريدة التجديد المغربية مع فضيلة الشيخ في رمضان 1430 بمرَّاكُش
 
(صحيفة التجديد المغربية - 14/09/2009م)
 
 
بداية نسأل الشيخ عبد الرحيم نبولسي، ما جديد جامعة القراءات التي أعلنتم عنها في رمضان الماضي؟
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة على أشرف المرسلين، بالنسبة لجامعة محمد السادس لعلم القراءات وتعلم القرآن، فقد طلب مني البرنامج العلمي وقد كتبته وأنهيته، وهو إن شاء الله في ''طريق الرضا''، وهو في الغالب قد وصل، والأمور بحمد الله وفضله آخذة مجراها الطبيعي والصحيح، وقريبا سيعلن عنها.
 
كيف يرى الشيخ مستقبل القراءات في المغرب خاصة وفي العالم الإسلامي عامة؟
 
كما تعلم أن المدرسة المغربية لها الريادة في تاريخ العالم العربي والإسلامي على مستوى القراءة، والأسانيد التي لا تمر بالديار المغربية وبالمشيخة المغربية، تعتبر ضعيفة وتكاد تكون لاغية ولا تصل إلى مستوى الامتياز والتفوق والرقي، وفي مجال القراءات لا يعلى على منظومة الإمام الشاطبي المعروفة رحمه الله، المسماة بالحرز، فهو أندلسي مغربي، ولا يكاد يخلو إسناد من الشاطبي، ولذلك المغرب يجب أن يحفظ له هذا الدور الريادي في القراءات، وينبغي ألا يهمش، وأنا أرى أنه قد همش، وما بقي إلا شذرات، وبقي أحاد الناس وجلهم تجاوزا سن التسعين، لا يعرفون من القراءات إلا بعض الترددات من الروايات، ومبلغ علمه أنه يكون قد قرأ على أربع أو خمس.
على عهد المرينيين، كانت هناك المشيخة إلى القرن ,11 فليس بدعا أن يرجع الفضل إلى أهله، فقد انقطعت الأسانيد من المغرب بالصورة المثلى، وبقي المحفوظ، ومعروف أن المغاربة حفاظ، وكما يقال ''نزل القرآن في الشرق، ورتل وجود في مصر، وكتب في تركيا وحفظ في المغرب''، ونحن الآن إنما نريد أن يرجع الفضل إلى أهله، وخرجنا ووصلنا ما انقطع بفضل الله وحمده، والتقينا بالمشايخ الكبار؛ منهم الزيات أحمد عبد العزيز رحمه الله، وهو أعلى سندا في الدنيا في القراءات العشر بالطيبة التي تجمع زهاء ألف رواية، والشيخ عبد الغفار الدروبي رحمه الله عليه، وقد توفي من زمن قريب، والشيخ مكي الطرابيشي. والعلم النظري موجود في المغرب، لكن العلم الأدائي فرط، وهناك حلقة مفقودة في تاريخ القراءات لا ندري ما الملابسات والظروف التي جعلتها تندثر، ولا تبقى على طرقها الأصلية، والذي أضفناه علي الصورة الأدائية المثلى، وبعض الوجوه الاختيارية والمقدمة، ونحن نفضل المشارق في هذا المجال، ونفضلهم أيضا في قضية الرسم القرآني، والوقف والابتداء، والإسلام يمثله العالم الإسلامي، وكل مصر حلقة في هذا المجال، وعلينا ألا نغمط أحدا حقه.
 
كيف يمكن نشر علم القراءات بشكل صحيح؟
 
المشروع الذي جئت من أجله إلى المغرب هو إنشاء جامعة للقراءات، وكان قد عرض علي الأمر في الشرق والغرب ، كما عرض علي إنشاء أكاديمية للقراءات في فرنسا، وأنا فضلت أن تكون في مراكش وأن تشع على سائر البلدان، وهذا الذي تسمعونه في التراويح، تعني المراوحة والترويح عن النفس من عبء الصيام، والصائم سائح والسائح يرتاح، ولابد أن يلقى الصائم في التراويح متعته الأذنية السمعية التي يتشوق إليها، ويلقى مراوحة في التنغيم والأسلوب الذي يعرض به القرآن، من صوت عال إلى هابط إلى متشوق لا يحوز أن يلقى القرآن غفلا خاليا من المعاني. وبين الترويح الجلوس بين الركعات، والمراوحة بين القراءات، فلا معنى أن يلزم القارئ برواية واحدة، و الشرط الوحيد هو الإتقان. فباب التراويح هو باب لإخراج المواهب، والكنوز، وأنا مع أن يلزم الناس في الصلوات الخمس برواية واحدة، انتهى الأمر، رواية ورش عن نافع عن طريق الأزرق ، ولكن ما يقرأ الآن هو''زرك'' وليس الأزرق صاحب الرواية، والرواية التي تسمع في المساجد لا يمكن أن تكون طريق الأزرق، أما في التراويح فالتنويع في القراءات واجب، والمدد في طريق الأزرق تجلب للمصلي في التراويح عنتا وأنا جربت ذلك اليوم ، ولا شك أن ركبتاك عانت من ذلك، وللأسف البعض يقرا القران على عواهنه دون دورات علمية وقد يلحن اللحن الجلي في الفاتحة ولايجوز له الصلاة بالناس، ولا يمكن القبول بالتلاعب في القرآن.
 
هل الصوت الحسن من أسرار إقبال الناس على التراويح؟
 
نعم، الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا وجمالا، لا شك في ذلك، قال تعالي ''وقد آتينا داوود منا فضلا'' ويعني صوتا حسنا، وقيل في رواية شاذة ''ويزيد في الحلق ما يشاء''، وهذا سر من أسرار الله يودعه فيمن يشاء، ومن أعطي صوتا حسنا يجب أن يقد، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتتبعون الأصوات الحسنة في رمضان.
 
الناس معذورون في البحث عن الصوت الحسن والازدحام من أجله؟
 
هذه سنة، ولهم سلف صالح في مسألة المراوحة والتخشع والتعبد لله، وهي فرصة للناس من عناء السنة، أن يذكر الله ويقر بذنوبه، وله أن يبحث عن الصوت الحسن الذي يقربه من الله.
 
كيف تشعر وأنت تصلي في مسجد الكتبية؟
 
في الحقيقة مسجد الكتبيين يعتبر رمزا لمدينة مراكش، ومئذنته أيضا رمزا لها، وهو معلمة في المدينة، ومن حيث الجو الروحاني فكل بيوت الله على شكل واحد لا فرق، لكن مسجد الكتبية متفوق من حيث الوسطية التي احتلها واتخذها، وهو مسجد عريق مرت عليه قرون وحقب ومرت عليه دول يحكي تاريخ الأول لبناء الحضارة المغربية، وهو يحمل رمزا فكريا وعقديا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وهو منظومة من المنتج القديم والحديث.
 
ما هي شروط الإجازة وكيف ينظر الشيخ إلى مسألة الإجازة؟
 
الكل يعرف أني متوتر شيئا ما في قضية الإجازة، حتى إنه قيل في معهد بالسعودية، إن المسلمين كانوا يترخصون في الإجازات، وقد تجد الشيخ يجيز في السنة أربعة أو خمسة، وأنا لمدة سنتين ما أجزت أحدا إلا بعد ذلك، وكلها بضوابطها وشروطها المعتبرة، فرجل يأتي ويقول قرأت على فلان في المصحف وأجازني، هذا أعتبره موجزا وليس مجازا، والحقيقة أنا قلت لهم في السعودية، ارفعوا الحصار عن رواية حفص، لا تجيزوا فيها أحدا، لأن الشخص يأتي غلاما يافعا، ولا يعرف ما الذي له وما الذي عليه فيجيزه أحدهم، وهو غير أهل له فيقطع عليه طريق الطلب، والإجازة بشروطها المعتبرة عند أئمة الفن، وكنت أضفت لهم معايير مغربية اندثرت في المشرق، وقلت لهم لا يجاز الشخص إلا إذا أتم الحفظ المتقن مع معرفة المتشابه، وهذا لا نقاش فيه، واشتراط معرفة جمة بعلم الوقف والابتداء، وقد يؤخذ مذهب الرجل من وقفه وابتدائه، وأيضا تؤخذ عقيدته فالمسالة ليست سهلة ، وهذا ينبني على علمه بالعربية، ثم مسألة الرسم القرآني يجب أن يعرفها قارئ القراءة ، وكان لي بحث عميق في السنوات الأخيرة فوجدت أن كل المرسوم القرآني له علة، علمها من علمها وجهلها من جهلها.
 
ما هو جديد البحث والــتأليف للدكتور نبولسي؟
 
لي بحث ودراسة في شرح الشاطبية ، وهناك بحث لطيف يسمى نظرات في محذوف الألفات / بيان ما انحذف حشواً من الألفات، كما أني أبحث في ''الشاذ'' في القراءات، بعدما أنتهي من المتواتر، وهذا سر لم أاقله لأحد من قبل، وهو إشكالية كبيرة، ولو تمعنا في الشاذ لوجدنا الكثير من الحلول، وهناك بحث في القراءات التفسيرية، وهذا موضوع آخر يمكن أن نتكلم فيه في موضوع علم، وهناك أيضا منظومات '' النظيم الماتع في الأوجه المقدمة للسبعة عند المفرد والجامع ''، و''الفنن لتسهيل معرفة هذا العلم''، وقدمت ''الفنن الأورق في تحرير خلف ورش من طريق الأزرق'' وأنا متعصب لمغربيتي، وعلى خلاف القراء الذين يبدؤون بقالون، قدمت رواية ورش، وهناك منظومة عما أجملته الطيبة، ومنظومة في اللغة ''النظم الأمجد في ماهية أمجد ، كما حاولت جمع بعض المواضيع الجافة في مقامة بديهية لتلطيف الأمر.
 
كيف يستقبل نبولسي رمضان؟
 
أقسم لك بالله إني أستقبل رمضان بعفوية تامة، وبخوف شديد، فأنا رجل تغلب عليه الحالات الطبيعية، والناس يحبون رمضان، وأنا أخاف من رمضان، ودائما إذا اقترب رمضان، يكون قلبي وجلا خائفا متوجلا، هاربا من مدينة مراكش، وأقصد الجبال والمتاهات والكهوف أتحنث، ورمضان هو فرصة، ولولا الناس الذين يلحون ما صليت بهم، وأقسم بالله لولا أني أرجو من الله أن يتقبل لواحد منهم أن يدعو لي ما تقدمت، وأرجو أن ينتفع الناس فقط.
 
كيف تقضي يومك في رمضان؟
 
عندي يومان في اليوم، يوم بالليل ويوم بالنهار(يضحك)، أما بالليل فننهي التراويح ونجلس للمذاكرة وللمناقشة، واستقبال الزوار، فلا انهي الجلوس إلا على صلاة الفجر، وبعد الصلاة، أخلو بنفسي، وأنا دائما في نهار رمضان لا أحب أن أرى أو أحدث أحدا حفاظا على صيامي، ولا أكاد اخرج من البيت إلا لصلاة أو زيارة خاطفة لمسجد أو مقبرة، وأحرص أن أبقى في البيت لأخلو إلى نفسي وأتعبد وأذكر الله ،أنام وأستريح، واستعد لصلاة التراويح واللقاء العام.
 
ذكريات طفولة في رمضان؟
 
أقول لك كأني ابن رمضان، وأرجو أن يقترن اسمي نبولسي برمضان وبصلاة التراويح، وأريد أن أجلس عند أقدام رمضان والقرآن؛ لعلهما يشفعان لي عند الله يوم القيامة، فمنذ الصغر والوالد جازاه الله خيرا حريص على أن أكون قارئا وحاضرا في رمضان، وأول مرة صليت التراويح بالناس وأنا ابن سبع أو ثمان سنين بمسجد الحي المصوبر ووالدي معي يصحح لي إذا أخطأت، وصليت في دار القرآن بأزبزط وأنا ابن تسع سنين تحت إشراف الشيخ مولاي احمد أبي عبيدة حفظه الله، لأنه كان النواة الأولى لمعرفة هذا الخير، وأول مرة صليت بسورة الأعراف لجلالة قدرها، ومن ذلك الوقت أعجب الناس بهذا الغلام التافه ، وكانوا يأتون من مدن أخرى لسماع صوتي في ليلة القدر. وكانت لي طرائف مع زملائي الطلبة، الذين كانوا يتناوبون على المحراب، ومن أراد أن يتقدم يقول لي أن أخلع عليه قميصي، اعتقادا منهم أن فيي ذلك شيئا، وكنت أتمازح مع الطلبة وأقول لهم إن الذكي هو من يعد الثقوب التي في الميكروفون وهو يقرأ، ليبين شدة الحفظ، وإن ذهنه لا يشرد مع العد. ومرت الطفولة جيدة، وأقول إن الفضل بعد الله للوالد الذي حرص على تحفيظي، وما كان يتركني لقضاء حاجة خارج البيت، حتى إنه قال لي بحضور أمي يوم عيد ''لاتلعب أقرأ، العلماء وأهل القرآن لا أعياد لهم''، وكان يوقظني على الساعة ,3 ويشغل لي أسطوانة مسجلة من إذاعة الكويت مشوشة، وكنت أحفظها على نغمة المنشاوي مع تشويش الإذاعة.
 
كلمة إلى رجل تعزه تريد أن تقولها له في رمضان..
 
عندي رجل خاص وهو أبي، ورجل عام وهم أهل مدينة مراكش، وهم عندي على قلب رجل واحد في محبتهم، ولذا فأنا لا أريد أن أغيرهم إلى مدينة أخرى، وقد عرض علي ذلك ولكن رفضت، وكان إصرار مني أن أبقى بين المساكين، لأني رجل مسكين وبسيط، اللهم احشرنا في زمرة المساكين.
 
ما هو توجيه الشيخ للآباء وأولياء الأمور بشأن تربيتهم لأبنائهم؟
 
في الحقيقة أكبر دليل أحب أن أوجهه إلى هؤلاء الناس، هو أن يكونوا في درب القرآن، وقد اختصرت القول وفعلت، قرأت ورتلت وجودت، وبينت لهم الطرق الأدائية، والمعاني التي تتعاقب على الآية بالقراءات ليحبوها، والحقيقة أن الناس أحبوا القراءات، ويبقى المجال العملي وهو هذه الجامعة التي ستبرز للناس قريبا، وسيكون في غرة هذا الرجل الذي على رأس البلد أرجو الله أن يشفيه ويحفظه، وكان إصرار مني وإلحاح أن تكون الجامعة تحت اسمه وإشرافه لينسب هذا الخير إليه، والمسألة الثانية وهي أننا سننتخب مسجدا آهلا بالسكان في كل حي من الأحياء المراكشية، وننشئ فيه حلقة للتحفيظ، وستكون دورات علمية للمشرفين عليها، والحفظ الأول سيكون برواية ورش عن طريق الأزرق الحقيقي، وقد لقي ذلك قبولا من وزارة الأوقاف، وسنبدأ في الخطة العملية، ونرجع الناس إلى المساجد، وسيدخل الرجل إلى المسجد ويجد ابنه يقرأ، والبرنامج مفصل وسيعمم في باقي المدن، والذين حفظوا تعطى لهم جوائز، وسيكونون روافد للجامعة، والتي ستخرج من كل مدينة الآلاف من المقرئين الجيدين، ونريد أن يكون في كل دار مغربية قارئ على الأقل.
 
ما هي ذكريات الشيخ مع شيخه العلامة أحمد الزيات؟
 
أحبذ أن تكون حلقة مفردة مصورة مسموعة عن ذكرياتي مع الشيخ، وعندي له ومعه ومنه الكثير، وعشت معه ما يزيد عن 16 سنة كلها في رحابه، وسجلت دعاءه للمراكشيين والمغاربة.
 
هل يمكنك أن تتحفنا بالبعض من ذلك؟
 
وقع لي أن رأيت رؤيا فيها أني أصعد في الحرم المكي إلى جانب الشيخ إلى أن وصلت إلى آخر درج، فقال لي الشيخ إنه آخر ما يكون في الدنيا، وأولت الأمر على أنه سند، وحكيت للشيخ الرؤيا فكبر وابتهج (نبولسي حكى من مثل هذه الطرف وبركات الشيخ الزيات الكثير، نعتذر لعدم نشرها لضيق الحيز)، ومن الطرف أني سافرت لرؤية الشيخ في القاهرة، فاقترح علي الشيخ ختمة الطيبة، وقال لي إني لا آذن فيها لأحد ولكن لا أعدك بشيء وسنرى، وقال إني سنقرأ ربعا في اليوم، أي سيدوم ذلك 8 أشهر، وكنت أنوي فقط قضاء 15 يوما، وحدثتني نفسي أنه ليس لك المال، فارجع إلى حال سبيلك، لكني ألزمتها بالبقاء والصبر حتى أقرأ، وقرأت وكنت أسلك طريقة مغربية ميسرة وبعض الوجوه الأدائية من حيث المقدم والمؤخر، فإذا وجدت منه أريحية فسرت له، وإذا وجدت غير ذلك أقول إني ما زلت على طريقة الشيخ الزيات، وبدا الأمر يسيرا، وقد قرأت عليه مرة من الفجر إلى الساعة الحادية عشر ليلا أو 11 والنصف، لا نسكت إلا لطعام خفيف جدا أو صلاة، بحضور الشيخ مصطفى أبو حسن من شيوخ الأزهر، والذي قرأ على الزيات منذ 40 سنة، وكلما أحس الشيخ بشيء من الملل يحكي بعض القصص حول قراءة القرآن، وهكذا قرأت الطيبة وختمت القراءات العشر الكبرى مع التحرير والشاذة في ستة عشر يوما، وفي إسناده قال ''وهذا ما لم يتيسر لأحد في هذا العصر''، وكنت آخر من قرأ عليه، وقال لي ''أنت زيات المغاربة'' ، وعني قال''سأقرئه وأختم به وعن طريقه سينقل إسنادي إلى المغرب''، وكان ذلك بحضور مجموعة من مشايخ الأزهر، والآن مجموعة من القراء المغاربة قرؤوا علي بإسناد الشيخ الزيات، والخير مايزال. ومن الطرف أني لما كنت أخدمه وهو شيخ ضرير كبير السن وقع من سريره، وارتجفت وخفت ألا أختم على يديه، وودت أن يطول عمره حتى أختم، وبعد الختم، وفي اليوم الثالث، قال لي من جهة الختم، استرح ستختم، وهذا سر لم يطلع عليه أحد إلا الله، وما قلت هذا لأحد، وأنا مهموم من جهة الختم
 
وكان الشيخ الزيات يوصيني بقراءة كتاب ''غيث النفع'' للشيخ الإمام الكبير الصفاقسي، ومن الذين شرحوا الشاطبية شرحا جيدا، وهو شيخ مغربي مغمور وأحسن من كتب في هذا الباب، ويمثل المدرسة المغربية في التحرير، وأنا أريد من وزارة الأوقاف ومن المطابع الملكية أن تطبعه طبعة ملكية منقحة. ومن الطرف أني لما كنت أقرأ وصلت إلى: ''حرمت عليكم الميتة'' فقال الشيخ اسكت، أنت ''حرمت عليك المسافة'' وفتح الله لك، وقال لي ''لقد رجعت إلى شبابي في هذه الختمة''.
 
ذكريات مع شيوخ مغاربة الذين تتلمذتم عليهم..
 
هناك ترجمة موسعة في الأنترنيت، وكان عندنا شيخ اسمه البنا بقرية أولاد حشاد، فرقة أولاد كايد يزمران الشرقية، سيدي رحال ضواحي مدينة مراكش، وكان شيخا حافظا متقنا للعلل والأشياء، بالرغم من أن الصور القرائية لا علم له بها، وكان قد أخذني إليه الوالد رضي الله عنه، ومن الغرائب أن زوجه تحفظ قراءة ''سيد المكي'' وهي قراءة نافع بروايته بكاملها، وأضافت إليه ابن كثير، فسلك معي الشيخ البنا ''ثمن الحزب''، وقد قرأها علي وأعدتها عليه كما قرأها وهكذا، وبعدها قال لأبي راه قرا، وما ترك شيئا، واتركه يقرر أن يبقى أو يغادر، وأضاف أن معي عناية ربانية (هذه القصة أبكت والد الشيخ نبولسي الذي كان حاضرا أثناء الحوار)، وفي طريفة أخرى، رأيت رؤيا فسرتها بأنه لزاما علي بقاء الشيخ الدروبي، فتركت المدينة والوظيفة، وكنت أستاذا أدرس اللغة العربية في الجامعة، وسافرت وما عبئت بشيء، وفي الطائرة دعوت ربي وقلت يارب افتح لي أبواب تعلم القرآن، وأنا محرم رأيت الشيخ الدوربي يمر إلى مجلسه، وهو رجل مهيب فقطعت الشوط وقبلت يده وقلت له لقد جئت لأقرأ عليك، وقال لي أتم عمرتك، فأجبت؛ عمرتي هو أنت، ومرة كان معي الوالد وقلق تلك الليلة وقال لي ستقرأ على الشيخ حزبا كاملا بالسبع في اليوم، وهذا شبه مستحيل، لكن الله يسر لي ذلك وأخبرت الوالد بذلك، وكان من عادة الشيخ أن يقطع مع طلبته في الحج، لكنه استقبلني في البيت، وما كان يأذن بذلك لطلبته، وحين بدأت القراءة لم أسكت إلا وقد أتممت الحزب، قال لي ''أنت طماع في القراءة، وما رأيت أشد طمعا منك في قراءة القرآن''. وقد قرأت عليه الختمة، وأتممتها عليه في شهر واحد 30 يوما، وقال لي يجب أن أسمع إلى ختمة كاملة للعشرة، وكانت فرصتي، لأني كنت فارغا من كل شيء، وأصبحت مغرما بالشاطبية أكثر من غرام قيس بليلى، حتى إنه ذات يوم في الصلاة وبدل قراءة الفاتحة قلت ''باب الإدغام الكبير''، وقد ختمت العشر الصغرى في ستة أيام.
 
ما رأيكم في اعتناق بعض الأجانب للإسلام خلال رمضان؟
 
كما تعلمون، هذا تتويج من الله، ونسأل الله عنوان القبول، ورسول الله صلى الله قال: ''لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس''، وهذه بشرى وتتويج لكل الذين احتفلوا بالقرآن وتركوا أمورهم، وهي لحظات ما أحسست بها ومست وخرقت شغف القلب، وهذه أول مرة ينطق شخص بالشهادتين على يدي، وما ملكت نفسي، وأنا جئت الكتبية وهي موقع سياحي، وأنا آمل أن ينظر السياح بعين أخرى إلى الإسلام، وكنت أوصي السلطات المحلية أن يتركوا هؤلاء ويعطوهم حقهم في الموقف والتصوير، وأنا رأيتهم مصطفين خلف الحواجز، وحكى لي الإخوان أنهم رأوا نصرانيات بين المصليات وهن يبكين لسماع القرآن، ولابد أن نمكن لهؤلاء السياح لسماع القرآن، وقد جاؤوا وعرفوا أن الإسلام دين نظام، وليس دين فوضى وهمجية وإرهاب، وفيه حلول مشاكل الخلق مكله، والمصلون يصطفون خلف إمام واحد، فلابد أن ينفع هؤلاء الأروربيين
 
اختيار بعض الأسماء العربية لهؤلاء المسلمين الجدد، هل هو واجب؟
 
اختيارات الأسماء ما كانت باستشارتي، وكنت فقط أبارك الاسم، والمسلم الجديد حين يدخل الإسلام يخرج من ربقة الكفر ويريد أن يخلي ظهره من كل الشوائب التي كانت معه، وحتى الاسم الأوروبي، لأنه تعلم دينا جديدا وعلم ربا حقا جديدا، يريد اسما جديدا، وأما الاحتفاظ باسمه الأصلي فلا بأس في ذلك، وقد عرف عن النبي أنه غير بعض الأسماء غير الجيدة لصحابة اعتنقوا الإسلام.

 
حاوره عبد الغني بلوط
14/9/2009
 
 
 
 

تقرير صحفي عن إمامة الشيخ جموع المصلين في صلاة التراويح بمرَّاكُش
 
(صحيفة الصباح المغربية - 1/10/2008م)
 

 

تحول المقرئ النابلسي إلى نجم شهر رمضان بمراكش، فعلاوة على الحشود الهائلة التي استقطبها إلى مسجد ديور المساكين (الوحدة الثالثة الحي المحمدي)، حيث يؤم صلاة التراويح في الأيام العادية من هذا الشهر، شكل في ليلة القدر ظاهرة لافتة غيرت إيقاع الحياة بهذا الحي.

 

فقد غاص المسجد بالمصلين الذين لم يسعفهم فضاؤه وازدحموا في الساحة المقابلة له التي ضاقت بهم هي الأخرى، واكتظوا بالساحة الخلفية التي بدت عاجزة عن استيعابهم ، فامتلأت الأزقة والطرق القريبة منه بالمصلين والذين رصوا صفوفهم بين الدور والمنازل، حيث لا يربطهم بالمسجد سوى صوت المقرئ الذي تنقله مكبرات الصوت بقوة هائلة، غطت فضاء الحي المحمدي بكامله.

 

وخلافا لما يدل عليه اسم هذا الحي «ديور المساكين» طوقت مداخله بمئات السيارات الفاخرة الباهظة الثمن، مما يؤشر على انتماء جزء من هؤلاء إلى فئات اجتماعية فاحشة الثراء.


وحجت أسر بكاملها (الزوج والزوجة والأبناء) إلى المسجد مباشرة بعد الإفطار لتتمكن من حجز مكان لها بالمسجد أو بمكان قريب منه . وانتقل مصلون آخرون من مناطق بعيدة خارج مراكش كأيت اورير وشيشاوة وتحناوت للظفر بحظوة الصلاة خلف المقرئ النابلسي.

 

وفي إجابتها عن سؤال يتعلق بالسر الذي يكمن خلف هذا الإقبال، قالت إحدى السيدات بأن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أن صوته يجعلها تبكي. وقالت أخرى إن طريقته في تجويد القرآن وترتيله تدفعها إلى الإحساس بالذنوب التي تحملها فتتدفق دموعها رغما عنها. وأضاف مصل آخر أنه يضمن لمأموميه درجة عالية من التخشع . أجواء ليلة القدر بهذا المسجد لم تكن فقط أجواء روحية ، بل حولها أبناء الحي إلى فرصة للاتجار. فقد انتصب بالقرب منه عدد من باعة السيديهات والكاسيت الذين يسجلون تلاوة المقرئ النابلسي أثناء التراويح، ويبيعونها للمصلين.

 

كما تحول العشرات من الشباب إلى حراس للدراجات حيث حولوا منافذ حي ديور المساكين إلى عشرات المواقف . مراكش خلال إحياء ليلة القدر يوم السبت الماضي، اكتست مظهرا آخر، ففي الكثير من المساجد انتشر المصلون بالطرقات القريبة منها، وقطعت حركة السير ببعض الشوارع في مشاهد تذكر بالعاصمة الجزائرية بداية التسعينات.


وفي مساجد أخرى ، وجد المصلون أنفسهم يصلون خلف أطفال صغار السن ، دفعهم آباؤهم إلى مقصورة الصلاة لتجريب قدرتهم على الإمامة ، وعرفت مساجد أخرى بالمدينة، العودة المثيرة للتأثير القوي للمتشددين والمتعصبين للوهابية الذين تحملوا مسؤولية تأطير هذه المؤسسات الدينية في هذا الشهر.

 
 

خبر تكليف حضرة مولانا أمير المؤمنين الملك محمد السادس -حفظه الله- لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحيم نبولسي بإنشاء "جامعة القراءات وعلوم القرآن"
 
(صحيفة التجديد المغربية - 8/9/2008م)
 

 

كشف الشيخ المقرئ الدكتور عبد الرحيم نبولسي عن قرب إنشاء ''جامعة للقراءات وعلوم القرآن'' بالمغرب يشرف عليها الملك شخصيا، ويشير النبولسي في حوار خاص لـ"التجديد" ينشر كاملا يوم الثلاثاء 9 شتنبر 2008 ، أنها "ستكون معلمة فريدة في العالم الإسلامي، وسيكون لها كليات في مدن مغربية، وملاحق في بلاد المشرق وأوروبا".


وأوضح نبولسي، وهو أحد أشهر المقرئين المغاربة وحاصل على الدكتوراه في القراءات، أن الملك محمد السادس كلفه، عن طريق أحد مستشاريه، بإعداد البرنامج العلمي للجامعة والذي انتهى منه، مبرزا أن مركز الجامعة التي ستتخذ اسم جامعة محمد السادس أو الجامعة المحمدية للقراءات وعلوم القرآن سيكون إما في فاس أو في مراكش، وسيتخرج منها أئمة في القراءات يكونون نبراسا في مجال القرآن الكريم. من جانب آخر، قال نبولسي إن موت ولده عاصم ذي السبع سنوات بمرض عضال لم ينفع معه علاج، كان سبباً وراء قرار رجوعه إلى مدينة مراكش والاستقرار بها والتفرغ للجامعة ..


وكان نبولسي قد أمَّ الناس في صلاة الجمعة الأخيرة 4 رمضان بمسجد الهدى بحي بوعكاز بمراكش، بحضور أم الملك التي أشرفت على بنائه، كما أنه يصلي التراويح بمسجد المسيرة الخضراء بحي ديور المساكين بالداوديات، والذي يعرف إقبالا منقطع النظير يضطر معه المصلون إلى الصلاة في صفوف خارج المسجد تمتلئ جوانبه أمتارا عديدة.

 

لقاء مُطوَّل للتعريف بفضيلة الشيخ د. عبد الرحيم نبولسي
 
(صحيفة التجديد المغربية 2002م)
 

 

يعرف شهر رمضان الكريم إقبال الناس على المساجد خاصة لصلاة العشاء والتراويح، ويبحثون عن الصوت الحسن الذي تهتز له الأفئدة وتقشعر له الجلود ويساعد على خشوع الأعضاء في الصلاة، الشيخ عبد الرحيم النابلسي واحد من أنجب أبناء مدينة مراكش في مجال قراءة القرآن، شهد له شيخه أحمد عبد العزيز الزيات المرجع الأول في القراءات القرآنية في هذا العصر وقال عنه بالحرف : "سيقرأ علي وعن طريقه ينتقل إسنادي إلى المغرب". ومن النوادر أن قرأ على هذا الشيخ القراءات العشر الكبرى في سبعة عشر يوما ، وهذا مما لم يتيسر لأحد في هذا العصر، وهو حاصل على دبلوم الدراسات العليا في القراءات وعلى دكتوراه في النحو والتصريف، رجع إلى المغرب ويريد أن ينشئ معهدا للقرآن بمراكش، التجديد التقت به، فخصها بهذا الحوار:


الشيخ عبد الرحيم نبولسي غني عن التعريف بمراكش، لكن نحب أن يعرف قراء التجديد المشوار الذي قطعتموه للوصول إلى هذه المرتبة العلمية الرفيعة في قراءة القرآن؟؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. بادئ بدء الله تعالى هو الغني عن التعريف ونحن كالضمائر لا تعرف إلا بالسياق، وما النابلسي إلا نقطة في بحر القرآن، فعسى الله أن ينفعه وأن ينفع به، أخذت البكالوريا بمدرسة ابن يوسف للتعليم الأصيل بمراكش، ثم التحقت بكلية اللغة العربية، حينها درست إلى السنة الثالثة، فراسلتني كلية القرآن بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فانتقلت إليها، ومكثت هناك شهورا، ثم رجعت إلى كلية اللغة، وفي كلية القرآن التقيت بمشايخ وبأعلام وبمصابيح الدجى الذين نستنير بهم في هذا العصر، وأعلاهم وأزكاهم وأفضلهم وأوفرهم علما، سيدنا العلامة فضيلة الشيخ أحمد عبد العزيز الزيات، هذا الرجل هو نبراس يحتدى وشهاب تقتبس منه الأقباس وهو مرجع الدنيا الآن في القرآن، تعلم على يديه جلة علماء القراءة في هذا العصر أمثال الشيخ محمود خليل الحٌصري، والشيخ أحمد سيبويه البدوي والشيخ عبد الفتاح المصرفي والشيخ عبد الرازق والشيخ عبد الرافع رضوان والشيخ الدكتور عبد العزيز إسماعيل والشيخ تميم الزعبي، والشيخ أيمن سويد، والشيخ عبد القهار من سوريا والشيخ عبد الحكيم، ومجموعة من الأعلام لا يحصون عددا وجلهم انتقلوا إلى عفو الله، وتلامذة الشيخ الزيات الذين أخذوا عنه مباشرة، يعتبرون من الطبقة الأولى في هذا العصر. وكان من فضل الله أن دخلت إلى كلية القرآن التي لا يدخلها إلا الحافظ المرتل، وكنت على رأس الذين تقدموا للمباراة، وكان من نصيبي أن يختبرني الشيخ عبد الرافع رضوان وهو من أعلام القراءات بلا منازع، فأعجب بالقراءة وبالحفظ، وبالإتقان. فأوقفني وسألني أين قرأت وكيف قرأت وقال كأنني استمع الآن إلى الشيخ الحٌصري، فأخبرته بما تيسر. وقام بإخبار أساتذة مراجعة المصحف بالمجمع الملك فهد، وكان الشيخ الزيات في قاعة الأساتذة الذي قال احملوني إليه، قالون بل نحمله إليك قال لابد أن أذهب إليه فدخل، فقمت لأقبل يده، فقالوا من هذا، قلت الشيخ الزيات، قالوا كيف عرفته، قلت لقد جئته قاصدا، فكيف لا أعرفه، فاختبرني الشيخ المرصفي رحمه الله، وقال لي أن أقرأ آية فقرأتها فأقسم بالله ألا أختبر بعدها، وقال يا ولدي أنت لست مغربي ، والمغاربة ما قرؤوا القرآن بهذا الشكل فأنت مصري واذهب ابحث عن جذورك في مصر، فقال له الشيخ الزيات ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، العلم لا وطن له. فاقترح على المشايخ، وشهد فيّ الشيخ الزيات مع كبر سنه بقوله ًسيقرأ علي وعن طريقه ينتقل إسنادي إلى المغربً، ومعلوم أن تلامذته هم المنتصبون للإقراء. وقرأت عليه ختمة بقراءة ابن كثير ثم برواية ورش، ثم قرأت عليه شيئا بالقراءات السبع ولكن والحمد لله قرأت ختمة بالعشر الكبرى وهي ما تسمى بختمة الطيبة مع الشواذ، لي منه إجازة وإسناد بالقراءات العشر الكبرى وكذلك بالقراءات الشاذة وهذا أعلى ما يوجد الآن في الدنيا، بعدها كنت قرأت في جامعة أم القرى حيث أخذت الماجستير دبلوم الدراسات العليا في القراءات بتحقيق كتاب اسمه القول الفصل في اختلاف السبعة في الوقف والوصل لأبي زيد عبد الرحمن بن القاضي المكناسي تحت إشراف الدكتور الشيخ العلامة أحمد مولاي أحمد العلوي، حينها درّست في كلية اللغة وانتقلت مرة أخرى إلى جامعة أم القرى وسجلت بها دكتوراه الدولة تحت عنوان فرائض المعاني في شرح وإعراب حرز الأماني للإمام العلامة الصنهاجي صاحب المقدمة، وله شرح من أغنى الشروح للشاطبية، وهو عندي، أنا، أزكى من اللآلئ الفريدة للفاسي ومن كنز المعاني للجابري، لأن كتب الرجل كانت تطبيقا لكتاب سيبويه في الشاطبية، وكان هذا الرجل مغمورا لا يعرف إلا بمقدمته، وقد عرفنا به وكان تعريف سابق من الدكتور العلامة عبد الهادي احميتو من أسفي يعنى بالعلم، واجتمعنا على التعريف بهذا الرجل، وتعتبر هذه الترجمة التي ترجمت له من أوسع التراجم لأني نحتها من صخور التراجم، ونوقشت هذه الرسالة وحصلت على الدرجة الأولى في جامعة أم القرى.


هذا الخير الذي عمكم، هل تنوون إشاعته على طلاب العلم وعشاق القرآن بالمغرب ؟

درست القرآن بجامعة أم القرى وعرض علي التدريس في جامعات المملكة العربية السعودية، وكنت اختيرت لتسجيل المصحف المرئي للقراءات العشر في رابطة العالم الإسلامي، لكن السفر حال بيني وبين ذلك ، واختيرت في الجامعة الخيرية الكبرى للقرآن للتعاقد مع وزارة المعارف بالسعودية، وعرضت علي مناصب كبيرة في الإمارات وأمريكا، وكندا وفي بريطانيا لكن اخترت المغرب لأنه المحتث ولأنه المنمى ولأنه الأصل، وحتى لا يضيع أبناء المغرب، فقد كنت كالأولى من الأعلام المغاربة الذين رحلوا لكي ينهلوا من المعين الصافي المشرقي ويؤسسوا مدارس. ونحن بصدد تأسيس مدرسة كبرى للقراءات ووضعنا خطتها، وسنشرع في عمل تأسيس معهد كبير يعنى بالقراءات على غرار المعهد الأزهري القديم الذي كان في الأربعينيات على أيام الضباع والحسيني وغيرهما، وسيكون مرجعا للقرآن بالقراءات المتواترة والشاذة، و كل ما يعنى برسم القرآن ضبطا ورسما ووقفا وابتداء وانتهاء وقراءة، وقد طلبتني وزارة الأوقاف للتنسيق معها، وسيكون نبراسا في المغرب الأقصى ونريد أن نحيي ما مات في الأزهر الشريف، وسيكون فيه لجنة الإشراف على تسجيل المصاحف، ولجنة الإشراف على طباعة المصحف الشريف بدل أن نرسله إلى القاهرة ليراجع، وسنخرج تلاميذ بل أمما في القراءات التي نريد أن نحييها فقط، لأنه كانت في المغرب مدرسة لا يعلى عليها، وإذا تفحصتم الأسانيد لن تجدوا إسنادا متواترا إلا وهو موصول بحلقة مغربية، فلابد أن تمر الأسانيد بأبي القاسم الشاطبي، وبسليمان بن نجاح، وبن غلبون، وبأبي عمر الداني، وبمكي بن أبي طالب القيسي، وغيرهم كثير، وحصلنا على أسانيد تمر بأبي زيد القاضي، وبجمعة الهبطي والفاسي وبابن غازي، ونريد إن شاء الله أن نحيى ما أميت، ففي عصر المرينيين، في أواخر القرن السادس والقرن السابع المدرسة المغربية كانت هي المعين الوحيد للقراءات في العالم كله، ولكن للأسف انقطعت أسانيدهم، والآن كل الأسانيد التي لا تـأتي من المشرق تعتبر مدخولة وناقصة ومبتورة ولا تقوم بها حجة ولا ينهض بها دليل، ونحن ما خرجنا إلا لوصل هذه الحلقة العلمية.


ما هو برنامجكم في هذا المعهد؟

سيدخل المعهد الحافظون للقرآن بعد المباراة، فخلال الأربع سنوات، ستقرأ فيه القراءات السبع عن طريق الشاطبية في السنوات الثلاث الأولى والسنة الأخيرة ستقرأ فيها القراءات الثلاث المتممة للعشر من طريق الدرة، وسنتان للتخصص لمن يريد القراءات العشر الكبرى عن طريق الطيبة وسنة أخرى للقراءات الشاذة ويتخرج من هذا المعهد أعلام في القراءات العشر الصغرى والكبرى، وسنبدأ بعد شهر رمضان وسنبدأ بمحاضرة عن دور القرآن في التربية وإحياء القراءات، وسنعلن عن المباراة في الجرائد والإذاعة، ويتقدم الطلبة، وعلى الله قصد السبيل.


معلوم أن صناعتكم هي النحو، فما علاقة النحو بالقراءات؟

تخصصي وصناعتي هي النحو والتصريف لكن وظفت اللسانيات، لخدمة القراءات ولخدمة القرآن في دلالة الوقف والابتداء ، فصناعتي هي النحو وهوايتي هي القراءة، و هما متلازمان، فلابد لأحدهما من الآخر، لأن القراءة من دون النحو تصير كارثة، قال الشيخ عبد الغني الحٌصٌري القيرواني وهو مغربي أندلسي في قصيدة له في القرن الخامس الهجري في قراءة نافع:


ولقد يدعي علم القراءة معشر **** وباعهم في النحو أقصر من شبر

فإذا قلت ما وجه هذا وإعرابه **** رأيت طويل الباع يقصر عن فكر

 
ويقول كذلك:


وأحسن كلام العرب إن كنت قارئا **** وإلا فتخطي حين تقرأ أو تقري


هل يعني أن النحو سيكون حاضرا في معهدكم؟

لا بد للمتقدم للمباراة أن يحمل معه شيئا من النحو بما يعينه على التعليل والتوجيه، وهو من شروط حفظ القرآن، وعلى الأقل أن يحفظ المقدمة للصنهاجي، ثم نقرأ معهم قطر الندى وألفية مالك، لأن عندنا مادة تسمى توجيه القراءات وهي بمعزل عن القراءات. والذي قرأ الحجة للفارسي وغيرها عرف مدى ارتباط النحو والتصريف بالقراءات، وكانوا في جامعة أم القرى يقولون ما الربط بين النحو والقراءة، وقد رفضوا في الأول أن يحقق كتاب القراءات في قسم تخصص النحو والصرف، لكن اقتنعوا بأن النحو هو موضوع القرآن، وقد ينسى الحافظ حتى إذا ما غاب عنه الوجه القرائي تذك. وإن كنا لا نعتمد على النحو والتصريف في القراءات ولكن يشدان من أزرنا إلى أن نسلك في القراءة طريقة سلكها الأول، وما نحن فيما مضى كما قيل إلا كبقل في أصول نخل طوال.


ما هم مشاهير القراء الذين تأثرتم بهم؟

 كان الشيخ المنشاوي مثلا عندي وكان عبارة عن قمر من أقمار الناس فقد كنت أقلده وكنت أظن نفسي المنشاوي، وقلدت عبد الفتاح شعشاعي وقلدت الشيخ كامل يوسف البهتيمي، ولكن كنت مغرما ومجنونا بالشيخ المنشاوي وكذلك بالشيخ الحٌصري، ولكن تنبهت إلى شيخ آخر هو الشيخ مصطفى إسماعيل فوجدته أميرا في هذا الباب فعولت عليه، وانتقلت إليه بالجملة وصحبته ما يزيد عن عشر سنوات، ثم اكتشفت الشيخ محمد رفعت، فكونت مدرسة لي من خلاله، فبدأت أتعلم من نبرات صوته وكان يحزنني ويطربني ويبكيني وكنت أسوق السيارة وأستمع إليه وقد أقف في الطريق بدون شعور، لكني بالأخير وضعت برنامجا خاصا أونوعا من الاستقلال في القراءة وإن كنت أحن إلى بعضهم، وتسمعون بعض الترانيم في التراويح.


بعض القراء يتعمدون تتبع النغمات ، كيف ترون هذه المسألة؟

ليس الغرض عندي تتبع النغمات الموسيقية، وقد سئلت هل درست الموسيقى، فأنا لم أدرس موسيقى، بل أفتتح القراءة بالتساؤل القرآني أفلا يتدبرون القرآن؟ فاعيش معه ،فيجب على القارئ أن يكون هكذا ولا يتتبع النغمات فأنا لا أوافق على ذلك وكنت سمعت لأنموذج في إحدى الإذاعات وما أعجبت بذلك، لأني سمعت الرجل يتتبع نغمة أو مقاما موسيقيا فقد ينقطع نفسه قبل أن يتم الآية، وقد يتكلف ونهينا عن التكلف.فالقرآن يجب أن يقرأ غضا طريا وله حلاوة، و قد تحصل القارئ منه على المقام أو النغمة تساعد الناس على الخشوع، فيعني ذلك أنه إذا جاءت عفوية فلا بأس أما أن تتبع الألحان لتستعملها في القرآن، فهذا خطأ محض. و أنا أنهى الطلبة على تتبع النغمات، فالأصل في القرآن هو إخراج الحرف من مكانه والوصل في محل الوصل والوقف في محل الوقف. فإذا جاء شيء على سليقة قبلناه أما تتبع النغمات فلا يجوز بحال من الأحوال. و الأصل عندنا هو موسيقى القرآن، فللوعد والوعيد موسيقى خاصة، وللتبشير بالجنة موسيقى خاصة وللأحكام موسيقى خاصة، للترهيب والترغيب موسيقى خاصة، و قد تستفيد الموسيقى العربية من القرآن وقد استفادوا من الشيخ محمد رفعت وسمعنا أن بعض المغنيين يقلدون هذا الشيخ وذكر لي المشرف على رسالتي في الدكتوراه محمد إبراهيم البنا أن الشيخ محمد رفعت كان يقرأ القرآن في القصر الملكي وكانت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب يجلسان أمامه، وكان إذا أتم مقطعا أو أية كانا يجريان ليقبلا يده، ثم يرجعان إلى مكانهما.


هل يوجد شيوخ بالمغرب تذكرون لهم الفضل عليكم ؟

إن كان لأحد فضل علي بعد الله عز وجل ثم والدي فهو لأبي عبيدة المحرزي بمدينة مراكش، هذا الرجل أنبت الشعر في رأسي، وكان يحفزني وهو الذي عندما كنت سأهاجر في سنة 1987م كان لي عونا حتى أخرجني من المغرب وحينها قال ً يا ولدي إذا أدخلت لنا القراءات إلى المغرب، فلا نسألك شيئا بعدها، وكنت أرى فيه ما أرى في غيره، فهو الذي بعث مواهبي، وهنا ك شيخ آخر قرأت عنه القرآن وهو الشيخ مولاي المصطفي البويحياوي من طنجة، هذا كنت أركب كتفه، وكان يربيني كما يربى الطفل وكان يعلمني كما يعلم الصبي.


وماذا عن تلامذتكم؟

تخرج علي يدي تلامذة كثيرون من نيجيريا ومن السودان ومن اليمن ومن السعودية ومن سوريا ومن بنغلادش ومن ماليزيا ومن المغرب منهم من أخذ القراءات السبع ومنهم من أخذ القراءات العشر. وأذكر من المغاربة أحد المشايخ وهو الذي بدأت فيه هنا بالمغرب، اسمه الشيخ السعيد الكمالي، ومن الغرائب أنه في الطيران ولا علاقة له بهذه الأشياء وكان يأتيني في كل أسبوع إلى مدينة مراكش لمدة ثلاث سنوات حتى ختم القراءات السبع وأجيز بها وهو الآن يقرئ بمدينة الرباط، وقرأ علي الشيخ خالد طاهر صدقي وهو من الأعلام، وعندي مشايخ كثيرون.


متى حفظتم القرآن؟

حفظت القرآن هنا بالمغرب برواية ورش عن عاصم على حسب المتعارف والمتيسر، في سن التاسعة، يعني في سن مبكر حتى أنني قرأت المفصل في سن لم أعه، ولحد الآن لازلت اسأل والدي متى حفظت المفصل، ووالدي اهتم بي اهتماما بالغا ويكاد يكون مبالغا فيه واهتم بتربيتي تربية حسنة، وسهر على ذلك، وكان أمنيته أن يراني حافظا للقرآن معلما له مرتلا له وأتم الله له ما أراد، و أسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الختام.


هل سيكون للأطفال نصيب في معهدكم هذا؟

سيكون قسم للتحفيظ استدركناه، لأن الناس طلبوا منا ذلك، وسيكون قسم للطالبات وقسم للطلبة، واخترنا لهم محفظين على أعلى مستوى. أما المعهد فهو شيء آخر.

 

جميع الحقوق محفوظة للموقع الرسمي لفضيلة المقرئ الشيخ الدكتور عبد الرحيم بن عبد السلام نبولسي ©